الأم الفلسطينية وقود المقاومة

الأم الفلسطينية وقود المقاومة

Like
1016
0
mercredi, 24 mai 2017
Palestine

كم نظم من الشعر عن الأم، وكم تغنى بها المطربون، وكم مجدتها الأساطير والقصص؟
ذلك الإنسان الذي تخلق في رحمه أجنة فتنزل للحياة بعد حملها على وهن، ذلك الإنسان الذي يتعب لتعب أولاده ويفرح لفرحهم، هو من يطعمهم وهو من يرويهم، هو من يخاف عليهم صغارا و يساندهم وهم كبار.
الأم ، ذلك الكائن الذي جعل الله الجنة تحت أقدامه، هي من تقسو وتحن، هي من تتعب لترتاح، ومن تجوع لتشبع، هي من إذا فقدت واحد من أولادها، فقدت نبضا من نبضات قلبها
وجزءا منيرا من روحها٠
هذه الصفات القليلة ليست سوى ذرة من لا نهاية، ليست سوى جزء ضئيل لا يفي الأم حقها،هي صفات لكل أم في العالم، لكن الأم الفلسطينية، تلك المقاومة لجبروت الاحتلال فلها صفات خاصة بها دون سواها، فكيف نستطيع إذا وصف الأم المحرومة من أولادها قسرا، الأم التي تبكي ولدها الحي طيلة سنين فلا هي تجتمع به ولا سجانه يرأف بها، تلك الأم التي لم يحرمها أولادها بالموت لكن الإحتلال لم يرف له جفن لأسرهم جميعا أحياء٠

إحدى هؤلاء النسوة الفلسطينيات المناضلات، هي لطيفة محمد ناجي الملقبة بأم ناصر، من مخيم الامعري، أم استشهد ابنها، واسر أربعة اخرون وحكموا بالسجن مدى الحياة في سجون الإحتلال الاسرائيلي، ومنعت من زيارتهم أحيانا طيلة أشهر عديدة .
إنها السنديانة الفلسطينية الصابرة والشامخة، خنساء فلسطين أودعت ابنائها الأربعة على حلم التحرر والحرية الأبدية رغم انهم يقضون احكاما بالمؤبدات.

لدى أم ناصر 10 أبناء وابنتين، الابن الأكبر ناصر محكوم بسبعة مؤبدات وعشرين سنة، وشريف محكوم خمس مؤبدات، ومحمد محكوم مؤبدين وثلاثين سنة، ونصر محكوم بخمس مؤبدات.

أم ناصر كانت قد أعلنت إضرابها عن الطعام تضامنا مع أولادها وبقية الأسرى في سجون الاحتلال، لكنها تراجعت عن ذلك بعد أيام قليلة حياء من العدد الكبير من المسؤولين الذين تواصلو معها خوفا على صحتها وكي لا يكون لإضرابها وقعا سلبيا على أولادها الصامدون في السجون، فالإبن وان باعد ظلام السجن بينه وبين أمه إلا أن جوعها أو مرضها بسببه يقتل روحه وإن باعدت بينهما قوى الأرض كلها، وفي هذا الموضوع قالت لنا أم ناصر: » منذ اليوم الأول لسماع إضراب الأسرى ودخول أبنائي بإضراب الحرية قررت أن ألتحق بهم وأن أضرب عن الطعام تضامنا لأنني لا أستطيع أن أتناول الطعام وأبنائي جائعون، أضربت لأسبوع كامل وبعد الضغوطات علي من قبل المؤسسات وأهالي الأسرى توقفت عن الإضراب بسبب وضعي الصحي »٠
أم ناصر، كانت قد زارت أولادها الشهر الماضي، منذ أن زارتهم في شهر جويلية ٢٠١٦، وقد كانت في فترة ما ممنوعة من زيارة أولادها المعتقلين في سجن عسقلان،

 قبل ان تقوم إدارة السجون  بنقل ناصر إلى سجن الجلمة ومحمد إلى سجن الرملة، وبذلك تضاعف من عناء زيارة الأم لولديها وتجبرها على التنقل بين السجون لتحضى بنظرة خاطفة لابنها من وراء أسلاك شائكة أوبلور يحرمها لذة احتضانه أو حتى لمسه.
أولاد هذه الأم المقاومة دخلو السجون أطفالا ليصبحوا كهولا في غياهب الزنازين وغرف العزل الإنفرادي والان ناصر ونصر في الأربعينات من العمر٠

هذه المرأة القوية المناضلة تَعِبت طوال 30 عاما من محاولة تحرير أولادها، دون مجيب،ربما سهرت ليال طوال تخيل لها نفسها أن إبنها يزين كل ركن من منزلها، أو ربما نامت ليلا طويلا وهي تحلم بأحدهم يحتظنها.
كيف كان شعورها عندما زفت بن الجارة عريسا؟ ترى ماذا حكت عيناها يوم فرحت أو بكت بين الأهل والأصحاب فاخترقت عقلها ذكرى أطفالها الذين حرمو من كل حقوقهم، فلا هم لعبو و عشقو وكبرو أمامها ولا هم الان يهدونها لذة حمل حفيد يعوض سنوات العذاب الماضية؟

أم ناصر كي تصبر نفسها كانت دائما تردد أن « جميع الأسرى أولادي .. لهم ما ينتظرهم في هذه الحياة لأنهم شركاء البدايات والنهايات .. أحياء…. فيهم رائحة البخور والكرز والتين والزيتون .. وهي تؤكد لنا اليوم أن أولادها  » فداء لفلسطين » وهي تدعو الجميع للصمود  »  فقدرنا أن نصمد ونصبر لتتحقق أحلامنا ونحرر أسرانا وأرضنا »٠
ليس غريبا أن يصمد الأولاد داخل السجون طالما هنالك أمهات يساندنهن قولا وفعلا خارجه، ليس غريبا أن يصمد الفلسطينيون منذ بداية الاحتلال إلى اليوم طالما نزلو من أرحام نساء تخجل الحياة من قوتهن وحكمتهن، ليس غريبا أن تقاوم فلسطين لتنتصر على الطغاة طالما فيها نسوة ينتصرن للحق ويربين أولادهن على حب الوطن والحياة٠
وضع هذه الأم وهي تنتظر كل يوم وساعة ودقيقة حرية أولادها ليس أسوأ من حال ابن حرمه الاحتلال من حياته، ربما أقل ما يمكن أن يصف أحاسيسه في ظلام السجن ما عبر عن 
الشاعر الفلسطيني محمود درويش يوما ما من زنزانته في قصيدته أحن إلى خبز أمي:

 » أحن إلى خبز أمي
وقهوة أمي

ولمسة أمي

وتكبر في الطفولة

يوما على صدر يوم

وأعشق عمري لأني

إذا مت، أخجل من دمع أمي

ليس درويش فقط من يخجل من دمع أمه إذا ما وافته المنية، بل على حكام العرب وكل المتخاذلين أن يخجلو من دموع الأمهات اللواتي يبكين أبناءهن الأسرى في سجون الإحتلال أو يبكين شهداء ماتوا ظلما برصاص عدو غاشم.
أم ناصرالتي تحيي تونس من خلالنا لمساندتها لفلسطين وللأسرى،  وغيرها كثيرات، وربما لا يمكن معرفتهن جميعا، لكن من مثلهن تضل دائما وقودا لمقاومة المحتل بشتى الوسائل، وطالما أنجبت فلسطين مثلهن فلا خوف عليها.


حنان مبروك

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.